محمد بن جرير الطبري
61
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
نظير قول الشعبي الذي ذكرناه ، ولا معنى لقول من قال : عني بالذي كفروا : أهل الكتاب ، وذلك أن النكير في ابتداء الآية من الله تعالى على مشركي العرب ، فالختم بهم أولى من غيرهم ، إذ لم يكن عرض في الكلام ما يصرف من أجله عنهم إلى غيرهم . وبنحو ذلك كان يقول قتادة . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ يقول : لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم ، إنما كان من الشيطان ولا يعقلون . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ يقول تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء الذين يبحرون البحائر ويسيبون السوائب الذين لا يعقلون أنهم بإضافتهم تحريم ذلك إلى الله تعالى يفترون على الله الكذب : تعالوا إلى تنزيل الله وآي كتابه وإلى رسوله ، ليتبين لكم كذب قيلكم فيم تضيفونه إلى الله تعالى من تحريمكم ما تحرمون من هذه الأشياء ، أجابوا من دعاهم إلى ذلك ، بأن يقولوا : حسبنا ما وجدنا عليه من قبلنا آباءنا يعملون به ، ويقولون : نحن لهم تبع وهم لنا أئمة وقادة ، وقد اكتفينا بما أخذنا عنهم ورضينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل . قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولو كان آباء هؤلاء القائلين هذه المقالة لا يعلمون شيئا ، يقول : لم يكونوا يعلمون أن ما يضيفونه إلى الله تعالى من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كذب وفرية على الله ، لا حقيقة لذلك ولا صحة ؛ لأنهم كانوا أتباع المفترين الذين ابتدءوا تحريم ذلك افتراء على الله بقيلهم ما كانوا يقولون من إضافتهم إلى الله تعالى ما يضيفون ما كانوا فيما هم به عاملون من ذلك على استقامة وصواب ، بل كانوا على ضلالة وخطأ . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ يقول تعالى ذكره : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فأصلحوها ، واعملوا في خلاصها من عقاب الله تعالى ، وانظروا لها فيما يقربها من ربها ، فإنه لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ يقول : لا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ، فحرمتم حرامه وحللتم حلاله . ونصب قوله : أَنْفُسَكُمْ بالإغراء ، والعرب تغري من الصفات ب " عليك " ، و " عندك " و " دونك " و " إليك " . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم ذلك ذكر من قال ذلك : حدثنا سوار بن عبد الله ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أبو الأشهب ، عن الحسن : أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال ابن مسعود : ليس هذا بزمانها ، قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن ، قال : ذكر عن ابن مسعود يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثم ذكر نحوه . حدثنا يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : قال رجل لابن مسعود : ألم يقل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قال : ليس هذا بزمانها ، قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم . حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا شبابة بن سوار ، قال : ثنا الربيع بن صبيح ، عن سفيان بن عقال ، قال : قيل لابن عمر : لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه ، فإن الله تعالى يقول : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال ابن عمر : إنها ليست لي ولا لأصحابي ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا فليبلغ الشاهد الغائب " فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم . حدثنا أحمد بن المقدام ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت أبي ، قال : ثنا قتادة ، عن أبي مازن قال : انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة ، فإذا قوم من المسلمين جلوس ، فقرأ أحدهم هذه الآية : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فقال أكثرهم : لم يجيء تأويل هذه الآية اليوم . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عمرو بن عاصم ، قال : ثنا